مقال

أماكن العمل جيدة التصميم وتأثيرها على الإنتاجية 

سوف تتمثل إحدى سمات الشركات والمؤسسات الناجحة خلال السنوات الخمسة القادمة في قدرتها على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من التقنيات الرقمية في تحسين ظروف عمل موظفيها

يناير 01, 2018
أماكن العمل جيدة التصميم وتأثيرها المباشر على الإنتاجية

سوف تتمثل إحدى سمات الشركات والمؤسسات الناجحة خلال السنوات الخمسة القادمة في قدرتها على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من التقنيات الرقمية في تحسين ظروف عمل موظفيها.

ومن المنتظر أن يؤدي النقص في المهارات المصاحب للتراجع في أعداد الأشخاص في سن العمل في العديد من الدول المتقدمة إلى جعل الكفاءات البشرية المكون الأساسي لبيئة العمل وأكثر الموارد الاقتصادية ندرةً على مدار السنوات العشرة القادمة. ومن هنا سوف يستلزم استقطاب أفضل الكفاءات (ولا سيما المبدعون) والاحتفاظ بهم من الشركات والمؤسسات العمل على تحسين تجارب العمل اليومية لتنال رضا الموظفين قدر الإمكان.

أهمية المساحات

غير أن صناع القرار في بعض الشركات والمؤسسات يستشعرون مبالغة في تقدير حجم التطور والتحول التجاري المحتمل تحقيقه من خلال هذا المسلك. وعلى النقيض، نجد أن شركات التوظيف ومدراء المرافق الذين يتعاملون مع الموظفين (ولاسيما الأصغر سناً) يدركون أن الأجيال الشابة تنظر إلى ظروف العمل بعين الاعتبار عند اتخاذهم قراراً بقبول عرض عمل أو رفضه، إذ تعتبر البيئة المادية لمكان العمل، بدايةً من جودة المطعم الداخلي إلى مرافق انتظار الدراجات إلى مرونة تصاميم أماكن العمل، قضية محورية لهذا الجيل من الموظفين. ويطلب العديد منهم زيارة مقر الشركة قبل اتخاذ قرار بقبول العمل.

كما يلاحظ مدراء الموارد البشرية الذين هم حلقة الوصل بين الشركات والموظفين تزايد رغبة الموظفين في التواصل معهم من أجل تعديل بيئة العمل وفقاً لتفضيلاتهم. ونشير هنا إلى قيام إحدى شركات التقنية الرقمية العالمية باستحداث خدمة صيانة الدراجات في مقرها الرئيسي تجاوباً مع طلبات الموظفين. ولا شك أن تكاليف فني صيانة الدراجات التي تتحملها الشركة هي تكاليف إضافية مبررة بالنسبة للشركة، إذ يقوم العديد من الموظفين بركوب الدراجات يومياً إلى مقر عملهم والشركة ترغب أن يكون موظفوها أصحاء وسعداء.

وتجدر هنا الإشارة إلى أن خطوات بسيطة نسبياً، مثل تعيين فني الدراجات هذا أو تحسين جودة الطعام والشراب المقدم للموظفين أو زيادة درجة المرونة في التعامل، قادرة على تحسين معنويات الموظفين، وقدرتهم على الإبداع والإنتاج ولاسيما عندما تتجاوب الشركة مع اقتراحات الموظفين وتراقب كيفية تعامل الموظفين مع مكان العمل، ومن ثم تعمل على تحسينه باستمرار. وحالياً يرى 51% من الموظفين حول العالم أن مقرات عملهم تسمح لهم بالعمل بفاعلية كاملة وذلك حسب أحدث دراسة أجرتها شركة جيه أل أل تحت عنوان “بيئة العمل: التمكين من خلال التجارب البشرية”.

وتتقبل “أفضل الشركات والمؤسسات” حقيقة أن عليها التشاور مع الموظفين (والعملاء) حول كيفية تصميم أماكن العمل من أجل العمل بأقصى طاقة ممكنة. ويجري حالياً تجريب استخدام الذكاء الصناعي في متابعة الموظفين والعملاء من أجل التعرف على مدى قدرة تصميم أماكن العمل على تحسين الإنتاجية ومعدلات الرضا وتمكين تقديم التعليقات الآنية. وقد بدأت بعض الحلول في الظهور، وهي حلول لم يكن أي مدير موارد بشرية ليتوقعها من دون مساعدة. ومن هذه الحلول، اكتشاف أحد البنوك الأمريكية، بعد استخدام بطاقات قياس العلاقات الاجتماعية، أن موظفي مركز الاتصال الأفضل إنتاجية يأخذون وقت الراحة مع بعضهم البعض متى أمكن ذلك. وقد زادت الإنتاجية بنسبة 10% بعدما بدأ البنك بترتيب أوقات راحة متزامنة لتلك المجموعة.

المطالب الرقمية

يُمكن للتقنية الرقمية تحسين جودة الحياة بعدة طرق بعضها بسيطة والأخرى معقدة. وتستخدم هذه التقنية في تقليل الاحتكاكات والمضايقات البسيطة ومن ذلك على سبيل المثال، التعرف على الموظفين عند بوابات ونقاط الدخول بدلاً من اضطرار الموظفين إلى البحث عن تصاريح المرور. ومن خلال استخدام الحساسات، يُمكن أن توفر هذه التقنية البيئة المناسبة من حيث درجة الحرارة ومستوى الإضاءة  والصوت. كما تتيح هذه التقنية للشركات وموظفيها إمكانية زيادة التخصص، فعلى سبيل المثال، يُمكن الآن للشركات وفرق العمل الاستعانة عن بعد بخبراء متخصصين في مشاريع معينة عن طريق المنصات الرقمية. والتخصص لا يساعد فقط في انتشال الموظفين من العمل الممل والروتيني فحسب، وإنما يجعلهم سعداء أيضاً. ومن المعروف أن الموظف السعيد أكثر إنتاجية وذلك وفقاً لدراسة أكاديمية. وتقدر جامعة وارويك، على سبيل المثال، حجم الزيادة في الإنتاجية نتيجة السعادة بنسبة 12%، في حين يقول المتخصصون الأكاديميون في مجلة هارفارد بزنس ريفيو أن نسبة الزيادة تصل إلى 31%).

وواليوم هو أنسب وقت تستكشف فيه الشركات والمؤسسات كيفية استغلال التقنيات الرقمية في مساعدة الموظفين في المكاتب والمقرات، إن لم تكن قد قامت بذلك بالفعل.

وتخضع بيئة العمل في الشركات الرائدة إلى عملية تجديد وتغيير شاملة من خلال عمليتين متلازمتين: وهما تعظيم الاستفادة من التقنية الرقمية وتحسين التجارب البشرية. وبتنفيذ مبنى ذا إيدج الشهير في أمستردام، لم تنجح ديلويت في بناء واحد من أكثر المباني الذكية والخضراء على مستوى العالم فحسب، وإنما وضعت نفسها في طليعة الشركات التي تحفز التواصل الفعال بين الموظفين والعملاء.

ويدرك عدد متزايد من الشركات أن بمقدورها تصميم مبانيها ومقراتها لتكون حاضنات للإبداع والابتكار والتحفيز بحيث توفر للموظفين سبل الراحة المختلفة للعمل على النحو الذي يُناسب شخصياتهم وحالتهم المزاجية والوقت الذي يعملون فيه والمهام التي يعملون على تنفيذها وغيرها من العوامل. وختاماً، أشير إلى حقيقتين راسختين وهما أن هذا هو عصر التقنية وأن أماكن العمل جيدة التصميم لها تأثير مباشر على الإنتاجية. وقد حان الوقت لدمج هاتين الحقيقتين معاً!

هل ترغب في معرفة المزيد؟ تواصل مع الفريق